الخطيب الشربيني
146
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
قال تعالى في سورة الحاقة : سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [ فصلت : 16 ] وقال تعالى في حم السجدة : فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ [ فصلت : 16 ] فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان ، وقوله تعالى : مُسْتَمِرٍّ أي : دائم الشؤم إلى وقت نفاذ المراد منه يفيد ما تفيده الأيام ، لأنّ الاستمرار ينبئ عن امتداد الزمان كما تنبىء عنه الأيام ، والحكاية مذكورة هنا على سبيل الاختصار ، فذكر الزمان ولم يذكر مقداره على سبيل الإيجاز فاستمر عليهم بنحوسه ولم يبق منهم أحد إلا أهلكه ، هذا وصفها في ذاتها . وأمّا وصفها بفعلها فيهم فذكره بقوله تعالى : تَنْزِعُ أي : تأخذ النَّاسَ أي : الذين هم صور لا ثبات لهم بأرواح التقوى من الأرض : بعضهم من وجهها ، وبعضهم من حفر حفروها ليمتنعوا بها من العذاب فتطيرهم بين السماء والأرض كأنهم الهباء المنثور فتقلع رؤوسهم من جثثهم . وقوله تعالى : كَأَنَّهُمْ أي حين ينزعون فيلقون لا أرواح فيهم أعجاز نخل أي أصول نخل قطعت رؤوسها حال من الناس مقدرة . وقوله منقعر صفة لنخل باعتبار الجنس وأنث في الحاقة فقال : نَخْلٍ خاوِيَةٍ [ الحاقة : 7 ] باعتبار معنى الجماعة . قال ابن عادل : وإنما ذكّر هنا وأنث هناك مراعاة للفواصل في الموضعين . وقال الرازي : ذكر الله تعالى لفظ النخل في مواضع ثلاثة ووصفها على الأوجه الثلاثة فقال تعالى : وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ ق : 10 ] وذلك حال عنها وهي كالوصف ، وقال تعالى : نَخْلٍ خاوِيَةٍ [ الحاقة : 7 ] و نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ فحيث قال : منقعر كان المختار ذلك لأنّ المنقعر في حقيقة الأمر كالمفعول لأنه ورد عليه القعر فهو مقعور ، والخاوي والباسق فاعل ، وإخلاء المفعول من علامة التأنيث أولى : تقول : امرأة قتيل ، وأمّا الباسقات فهي فاعلات حقيقة لأنّ البسوق أمر قائم بها ، وأمّا الخاوية فهي من باب حسن الوجه لأنّ الخاوي موضعها فكأنه قال نخل خاوية المواضع ، وهذا غاية الإعجاز حيث أتى بلفظ مناسب للألفاظ السابقة واللاحقة من حيث اللفظ . تنبيه : الأعجاز جمع عجز وهو مؤخر الشيء ، ومنه العجز لأنه يؤدي إلى تأخير الأمور ، والمنقعر المنقلع من أصله : يقال : قعرت النخلة : قلعتها من أصلها فانقعرت ، وقعرت البئر وصلت إلى قعرها ، وقعرت الإناء شربت ما فيه حتى وصلت إلى قعره . وكرّر قوله تعالى : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ للتهويل . وقيل : الأوّل : لما حاق بهم في الدنيا ، والثاني : لما يحيق بهم في الآخرة ، كما قال أيضا في قصتهم : لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى [ فصلت : 16 ] . وتقدّم تفسير قوله تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ وكرّره إيذانا بأنّ تفسير القرآن مع إعجازه لا يكون إلا بعظمة تفوت قوى البشر ، وتعجز عنها منهم القدر . ولما انقضت قصة عاد ذكر تعالى قصة ثمود لأنها تلي قصة عاد في الفظاعة ، فقال تعالى : كَذَّبَتْ ثَمُودُ أي قوم صالح عليه السلام وقوله تعالى : بِالنُّذُرِ جمع نذير بمعنى منذر أي بالإنذارات التي أنذرهم بها نبيهم صالح عليه السلام إن لم يؤمنوا به . ثم علل ذلك وعقبه بقوله تعالى : فَقالُوا منكرين لما جاءهم من الله تعالى غاية الإنكار أَ بَشَراً إنكار الرسالة ، هذا النوع ليكون إنكار النبوة نبيهم على أبلغ الوجوه وهو منصوب بفعل يفسره نَتَّبِعُهُ الآتي .